جلال الدين السيوطي

411

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الصالح بدا من توليه لخطوه ، وأن لا يدرس من الأصناف التي هو بصددها إلا ما هو مهيب بدراسته إلى الهدى ، ورادع له عن الهوى ، ومجد عليه في علوم القرآن والحديث وأبواب الشرع من عرف منه أنّه يقصد بارتياده وجه الله تعالى ، ويرمي به إلى الغرض الراجع إلى الدين ضاربا صفحا عما لا جدوى تحته إلا أن يتخذ أهبته للمباهاة دالّة على المنافسة ، ويتسوّر على اقتباسه إلى الحظوة عند الخائضين في غمرات الدنيا ، وإلى التسمي بين ظهرانيهم بالفاضل والتلقيب بالبارع وذريعة إلى ما نزع هو يده منه وتاب التوبة النصوح من الرجوع فيه أو يرجع اللبن في الضرع ، وحين أتاح الله له الصحّة ، وارتاح له بالمسحة التي لا يطاق شكرها ، وألطف له في الوفاء بما عهد ، والضمان الذي لا يخسأنّ به إلا ظالم لنفسه ، انتدب الرجوع إلى رياض عمله في إنشاء المقامات حتى تمّمها خمسين مقامة ، وسمّاها « النصائح الكبار » لأنّه أنشأ بعدها مقالات قصار في الزهد والموعظة ، وسمّاها « النصائح الصغار » يعظ فيها نفسه وينهاها أن تركن إلى ديدنها الأول بفكر فيه أو ذكر له إلا على سبيل التندّم والتحسّر ، ويأمرها أن تلج في الاستقامة على الطريقة المثلى وإلقاء الشراشر « 1 » على ما يقتضيه ما التزمه من المشاق ، وأكّده من العقد ، . . . إلى آخر الخطبة . قال السخاويّ في سفر السعادة « 2 » : قال الزّمخشريّ : مدّ إمام المقام في الصلاة ( جعله دكاء ) ، فقلت : مددت دكّاء ونونتها * ما بال فعلائكم تنصرف فعلاؤنا لم تنصرف مرة * ما للفعالى طفقت تختلف

--> ( 1 ) إلقاء الشراشر هو إلقاء الأعباء والهموم حرصا ومحبة . ( 2 ) سفر السعادة : 2 / 1055 .